الشوكاني
426
فتح القدير
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله تعالى ( جعل الشمس ضياء والقمر نورا ) قال : لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي يعرف الليل من النهار ، وهو قوله ( فمحونا آية الليل ) الآية . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : وجوههما إلى السماوات ، وأقفيتهما إلى الأرض . وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو مثله . وأخرج أبو الشيخ عن خليفة العبدي قال : لو أن الله تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد ، ولكن المؤمنون تفكروا في مجئ هذا الليل إذا جاء فملأ كل شئ وغطى كل شئ ، وفي مجئ سلطان النهار إذا جاء فمحا سلطان الليل ، وفى السحاب المسخر بين السماء والأرض ، وفى النجوم ، وفى الشتاء والصيف ، فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم تبارك وتعالى حتى أيقنت قلوبهم بربهم . سورة يونس الآية ( 7 - 10 ) شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ، ومن يؤمن به ، وقدم الطائفة التي لم تؤمن ، لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه ، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مشاهد لكل حي طول حياته ، فيتسبب عن إهمال النظر ، والتفكر الصادق : عدم الإيمان بالمعاد ، ومعنى الرجاء هنا الخوف ، ومنه قول الشاعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عواسل وقيل يرجون : يطمعون ، ومنه قول الشاعر : أترجو بني مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا فالمعنى على الأول لا يخافون عقابا ، وعلى الثاني لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته ، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى : لا يخافون رؤيتنا أو لا يطمعون في رؤيتنا ، وقيل المراد بالرجاء هنا التوقع فيدخل تحته الخوف والطمع ، فيكون المعنى ( لا يرجون لقاءنا ) لا يتوقعون لقاءنا فهم لا يخافونه ولا يطمعون فيه ( ورضوا بالحياة الدنيا ) أي رضوا بها عرضا عن الآخرة ، فعملوا لها ( واطمأنوا بها ) أي سكنت أنفسهم إليها وفرحوا بها ( والذين هم عن آياتنا غافلون ) لا يعتبرون بها ولا يتفكرون فيها ( أولئك مأواهم ) أي مثواهم ومكان إقامتهم النار ، والإشارة إلى المتصفين بالصفات السابقة من عدم الرجاء ، وحصول الرضا والاطمئنان ، والغفلة ( بما كانوا يكسبون ) أي بسبب ما كانوا يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد فهذا حال الذين لا يؤمنون بالمعاد ، وأما حال الذين يؤمنون به فقد بينه سبحانه بقوله ( إن الذين آمنوا ) أي فعلوا الإيمان الذي طلبه الله منهم بسبب ما وقع منهم